عبد الملك الجويني
9
نهاية المطلب في دراية المذهب
حنطةً ، ولم يرع شرائط السلم ، وإن قال بعتُك المائة الصاع ، التي في هذا البيت ، وهذا النموذج منها ، فإن لم يدخل النموذج في البيع ، فقد قيل : هذا بيع غائب ، فلا يصح على هذا القول . ويحتمل عندي أن تكون رؤية النموذج بمثابة وصف المبيع الغائب على ما مضى . فإن قيل : مثل هذا لا يُكتفى به في وصف المُسْلَم فيه . قلنا : لأن السلم ينافيه التعيين جملة ، كما سيأتي في السَّلم إن شاء الله تعالى ، وأصل التعيين معتمدُ بيع الأعيان . فأما إذا أدخل النموذج مع الآصع في البيع ، فقد قطع القفالُ بالصحة ، وألحق ذلك ببيع الصُّبْرة التي يدل ظاهرها على باطنها ، وخالفه طوائفُ من الأئمة . والقياس ما قاله ، ولا شك أن النموذج مفروض في المتماثلات . فأما إذا صححنا بيع الغائب ، فما ذكره العراقيون ، والصيدلاني ، وشيخي ، أنه لا بُد من ذكر الجنس ، فلو قال : بعتك ما في كُمي ، ولم يعرفه المشتري ، فالبيع باطل . وهذا ظاهر مذهب أبي حنيفة ( 1 ) . ومن أصحابنا من صحح العقد ، تفريعاً على هذا القول ، وهو قياسٌ ظاهر ، فإذا كنا لا نشترط استقصاءَ الصفات ، فلا تزول الجهالة بذكر الجنس ، والمرعي في هذا القول أن يكون المبيع متعيناً . ثم قال العراقيون : يشترط ذكرُ النوع ، حتى يقول بعْتُك العبدَ التركي ، ولم يشترط أصحاب القفال ذلك ، ثم قالوا : إذا ثبت اشتراط الجنس والنوع ، فهل تُشترط صفاتُ السلم ؟ أم يكتفى بالمعظم ؟ فعلى وجهين ، ولعلهم أرادوا بالمعظم ما تحيط به الرؤية المعتادة . وهذا الذي ذكروه يجانب طريق المراوزة ؛ فإنَّهم ذكروا التعرضَ للصفات على قولنا : لا يصح بيع الغائب ؛ فقالوا : استقصاءُ الصفات هل تنزل منزلة الرؤية ، حتى
--> ( 1 ) ر . مختصر الطحاوي : 48 ، المبسوط : 13 / 68 ، رؤوس المسائل : 273 مسألة 161 ، إيثار الإنصاف : 294 ، فتح القدير : 6 / 335 .